عاد الجدل حول منشأ فيروس كورونا بعد تقرير للبيت الأبيض شكك في أصله الطبيعي، مسلطًا الضوء على ورقة علمية لعام 2020 وخمسة علماء. التقرير اتهم الدكتور أنتوني فاوتشي بالترويج لفرضية المنشأ الطبيعي، مما أدى إلى استجواب عالمين أمام الكونغرس. الاتهامات تدور حول تمويل أبحاث في ووهان ومحاولة التستر على معلومات، بينما يصر العلماء على المنهج العلمي. الجدل مستمر مع عدم وجود أدلة قاطعة.
سماء الوطن: عاد الجدل حول منشأ فيروس كورونا المسبب لجائحة كوفيد-19 إلى الواجهة بقوة، وذلك بعد نشر البيت الأبيض تقريرًا أواخر يوليو الماضي يشكك في الفرضية الطبيعية لنشأة الفيروس. هذا التقرير دفع المهتمين والمشككين إلى إعادة تقييم الدراسات والأبحاث المنشورة، محاولين ربط المعطيات وتقييم مدى صحة الفرضيات المطروحة، مما أعاد تسليط الضوء على ورقة علمية محورية وخمسة علماء شاركوا في إعدادها.
استند تقرير البيت الأبيض في تشكيكه إلى عدة حجج وأدلة، كان من أبرزها ورقة علمية نُشرت في مجلة “نيتشر” بتاريخ 17 مارس 2020 بعنوان “الأصل الأقرب لفيروس كورونا المستجد 2”. هذه الورقة، التي شارك في إعدادها خمسة باحثين، تناولت تفسيرات محتملة لظهور الفيروس، وخلصت إلى ترجيح نشأته الطبيعية، مستبعدة فرضية تسربه من أحد مختبرات الفيروسات في مدينة ووهان الصينية، وهي الفرضية التي أثارت جدلاً واسعًا حينها.
أثار تقرير البيت الأبيض جدلاً واسعًا، خاصة فيما يتعلق باستناده إلى هذه الورقة العلمية في انتقاد الدكتور أنتوني فاوتشي، الذي كان أحد أبرز المسؤولين عن إدارة أزمة كوفيد-19 في الولايات المتحدة. اتهم التقرير فاوتشي باستخدام الورقة للترويج لفرضية المنشأ الطبيعي والتقليل من احتمال التسرب المخبري، بل وتجاوزت الاتهامات ذلك لتشمل ادعاءات بأنه ساهم في تسهيل نشرها وحث الباحثين على إعدادها، استنادًا إلى مراسلات واتصالات كشفت عنها وسائل الإعلام لاحقًا.
كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” في 14 يونيو 2021 عن مراسلات عبر البريد الإلكتروني بين فاوتشي وعالم الفيروسات كريستيان أندرسون، أحد الباحثين الخمسة. أظهرت المراسلات أن أندرسون عبّر في يناير 2020 عن شكوكه بشأن منشأ الفيروس، مرجحًا احتمال تعرضه لتلاعب وراثي. ومع ذلك، شارك بعد أقل من شهرين في نشر الورقة التي رجّحت المنشأ الطبيعي.
استند الباحثون الخمسة في ورقتهم إلى ملاحظتين رئيسيتين ناتجة عن مقارنة فيروس كورونا 1 (SARS-CoV) مع فيروس كورونا المستجد (SARS-CoV-2). بناءً على ذلك، استبعدوا فرضية التسرب المخبري المتعمد، معتبرين أن اختلاف تركيب منطقة الارتباط وعدم تطابق الفيروس مع أي نموذج فيروسي معروف يدعم تطوره طبيعيًا. واقترحوا أن الفيروس ربما خضع لانتقاء طبيعي في مضيف حيواني قبل انتقاله للإنسان، أو حدث ذلك بعد انتقاله.
بعد نشر الورقة، واجه الباحثون اتهامات بشبهة الكتابة والنشر لغرض استبعاد فرضية التسريب المخبري بتوجيه من مسؤولين صحيين أمريكيين. على إثر ذلك، خضع العالمان كريستيان أندرسون وروبرت غاري لاستجواب أمام الكونغرس في 11 يوليو 2023. أوضح العالمان أن استنتاجهما استند إلى المنهجية العلمية والأدلة المتاحة آنذاك، مؤكدين أن الاستنتاج لم يكن حاسمًا وقابل للمراجعة.
ركز أعضاء الحزب الجمهوري خلال الاستجواب على المراسلات بين الباحثين وفاوتشي، وعلى مؤتمر عُقد في فبراير 2020 لمناقشة أصل الفيروس، حضره فاوتشي وكولينز. ادعت اللجنة أن حضورهما كان بهدف الضغط على الباحثين، لكن أندرسون وغاري نفيا ذلك، موضحين أن مشاركتهما اقتصرت على الاستماع وجمع المعلومات.
تستند اتهامات الجمهوريين لفاوتشي بمحاولة التستر على معلومات أصل الفيروس إلى خلفية تمويلية مرتبطة بالمعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية الذي كان يترأسه، حيث قدم المعهد منحة لمنظمة أمريكية تعاقدت مع معهد ووهان لعلم الفيروسات. يرى النائب الجمهوري روني جاكسون أن فاوتشي ومسؤولين آخرين ربما سعوا لدعم فرضية المنشأ الطبيعي لإبعاد الشبهات عن ارتباط التمويل بأبحاث في ووهان. هذه الاتهامات لا تزال محل جدل.
لم تسفر جلسة الاستماع عن نتائج حاسمة، حيث رفض العالمان الاتهامات، وأوضحا أن اختلاف الآراء في بداية الجائحة كان طبيعيًا، وأن التدرج في النتائج جزء من المنهج العلمي. وأكدا أن فاوتشي أو كولينز لم يتدخلا في كتابة الورقة. لا تزال الأبحاث والدراسات مستمرة حول أصل الفيروس، حيث خلصت مراجعة في مجلة (Cell) عام 2021 إلى أن الفيروس ذو أصل حيواني، مع ضعف احتمال التسرب المخبري. كما أشارت دراسة في مجلة ذا لانسيت (The Lancet) عام 2021 إلى عدم وجود أدلة علمية قاطعة تدعم أي من الفرضيتين.
المصدر: سماء الوطن

