يكشف برنامج “الدحيح” حقيقة فيتامين “د” وتاريخ اكتشافه، موضحًا أنه هرمون ينتجه الجسم بتعرضه للشمس. يحذر البرنامج من الاستهلاك العشوائي للكبسولات، مشيرًا إلى أن نقصه غالبًا مؤشر على نمط حياة غير صحي، وأن الشمس توفر فوائد تتجاوز مجرد إنتاج هذا الهرمون.
سماء الوطن: يفكك برنامج “الدحيح”، الذي تبثه منصة (AJ+ عربي)، التاريخ العلمي لفيتامين “د”، مسلطًا الضوء على أهميته وعلاقته بأمراض العظام، خاصة الكساح. تعود جذور نقص هذا الفيتامين إلى حقبة الثورة الصناعية، حيث انتشر بشكل واسع بين الأطفال.
في تلك الحقبة، تحول نمط حياة الأطفال من اللعب في الحقول إلى العمل في المصانع المظلمة والمدن التي يحجب الدخان سماءها. هذا التغيير أدى إلى لين عظامهم وتقوس أقدامهم، ووصلت نسب الإصابة إلى 90% في بعض المدن الألمانية و97% في فيينا.
في عام 1918، قادت الصدفة والتجارب العالم إدوارد ميلانبي لاكتشاف أن زيت كبد الحوت يعالج الكساح لدى الكلاب. اعتقد العلماء حينها أن فيتامين “أ” هو السر، لكن العالم إلمر مكولوم أثبت لاحقًا خطأ هذه الفرضية، مكتشفًا مركبًا جديدًا داخل الزيت أسماه فيتامين “د”. في الوقت ذاته، لاحظ طبيب ألماني أن الأطفال المصابين بالكساح يشفون تمامًا بتعريضهم لأشعة الشمس أو لمصابيح الأشعة فوق البنفسجية، مما أثار تساؤلاً علميًا حول العلاقة بين زيت السمك وأشعة الشمس.
علميًا، يُعرّف الفيتامين بأنه مادة لا يستطيع الجسم البشري تصنيعها ويجب الحصول عليها من الغذاء. لكن العلم كشف لاحقًا أن أجسامنا قادرة على تصنيع هذا المركب بكفاءة عالية بمجرد ملامسة الأشعة فوق البنفسجية للبشرة. هذا الاكتشاف ينفي عنه صفة الفيتامين ويجعله في الواقع “هرمونًا”، حيث يؤدي دورًا يشبه “المدير التنفيذي” الذي يخرج من الكلى ليعطي أوامره للأمعاء بامتصاص الكالسيوم، وللعظام بأن تصبح أكثر صلابة.
على الرغم من أن أجسامنا تصنعه مجانًا، فإن نمط حياتنا المعاصر الخالي من التعرض للشمس فاقم الأزمة. كما أن زيادة معدلات السمنة تؤثر سلبًا، فالفيتامين يذوب في الدهون، مما يجعل الخلايا الدهنية المتراكمة تحبسه وتمنعه من أداء دوره في الدم والعظام.
يطرح أحمد الغندور في البرنامج فخًا علميًا وقع فيه الكثيرون، وهو قاعدة “الارتباط لا يعني السببية”. فقد لاحظ العلماء أن نقص فيتامين “د” مرتبط بأمراض كالقلب والاكتئاب وضعف المناعة، مما دفع الكثيرين للاستنتاج المتسرع بأن “تناول كبسولة الفيتامين سيعالج هذه الأمراض”. هذا الاستنتاج يشبه الاعتقاد بأن شرب القهوة هو السبب الرئيسي للتفوق الدراسي، في حين أنها مجرد مؤشر على أن الطالب يسهر لساعات طويلة للمذاكرة. كذلك هو الحال مع فيتامين “د”، فنقصه في الدم يمثل غالبًا مؤشرًا على اتباع نمط حياة غير صحي، يفتقر فيه الفرد إلى الحركة والتعرض لأشعة الشمس، مع الاعتماد على نظام غذائي غير متوازن.
ظهر هذا الفخ جليًا خلال جائحة كورونا، حيث ربطت دراسات بين نقص الفيتامين وارتفاع معدلات الوفاة بالفيروس، فسارع الأطباء لإعطاء المرضى جرعات مكثفة من الكبسولات، لكن النتيجة كانت مخيبة للآمال، إذ لم ينقذهم الفيتامين. السر الحقيقي يكمن في الشمس ذاتها، فهي لا تمنحنا الأشعة فوق البنفسجية المصنعة لفيتامين “د” فحسب، بل تمدنا بأشعة “تحت حمراء” تحفز الجسم لإنتاج “الميلاتونين”، أقوى مضاد أكسدة طبيعي، مما يقلل الالتهابات. ولهذا، تعجز الكبسولات الصيدلانية عن استنساخ هذه المنظومة الشمسية المعقدة.
حذرت الحلقة من أن الاستهلاك العشوائي لجرعات عالية من فيتامين “د” لمجرد الشعور بالإرهاق يحمل مخاطر كارثية. ولأنه لا يذوب في الماء كالفيتامينات الأخرى، لا يتخلص الجسم من فائضه عبر البول، بل يتراكم مسببًا ترسب الكالسيوم في الكلى وفشلًا كلويًا.

