تواجه مريضات سرطان الثدي في غزة معاناة مضاعفة بسبب نقص الإمكانات الطبية والأدوية نتيجة للحرب. فالمصورة نيللي المصري، التي اكتشفت إصابتها مؤخرًا، تسعى للعلاج خارج القطاع، بينما تكافح مئات النساء الأخريات للحصول على التشخيص والعلاج اللازمين في ظل تدهور الخدمات الصحية ونقص أجهزة الماموغرام والعلاج الإشعاعي والأدوية الكيميائية. العديد من المريضات يضطررن لخيارات جراحية قاسية أو يواجهن توقف العلاج بسبب عدم توفر الأدوية، فيما تنتظر أخريات تحويلات طبية للسفر خارج القطاع.
سماء الوطن: في مشهد يعكس حجم التحديات التي تواجهها النساء في غزة، تتقاذف فتيات مبتورات الأقدام الكرة على أرض ملعب العنان، يتكئن على عكازات، باحثات عن فرصة لتمريرها، لا يعيقهن عجز أو إصابة. لكن التحدي الأكبر يكمن خارج الملعب، حيث تواجه المصورة الرياضية نيللي المصري، التي كانت توثق هذه اللحظات، معركة شخصية جديدة بعد اكتشاف إصابتها بسرطان الثدي، لتنضم إلى مئات النساء اللواتي يكافحن المرض في ظل ظروف صعبة للغاية.
نيللي، التي تعمل مصورة ومدربة رياضية، تجاهلت في البداية كتلة صلبة في صدرها، معتقدة أنها نتيجة إجهاد رياضي. لكن بعد أسابيع من التشخيص، تأكدت إصابتها بسرطان الثدي. ورغم إصرارها على مواصلة حياتها وعملها، يراودها هاجس النقص الحاد في الأدوية والإمكانات الطبية في غزة، مما يدفعها للسعي للحصول على تحويل طبي للعلاج خارج القطاع.
تعد نيللي واحدة من 947 امرأة مصابة بسرطان الثدي، ضمن 11,230 مريضًا بالأورام في غزة، وفقًا لوزارة الصحة. وقد أضعفت الحرب بشكل كبير إمكانات تشخيص وعلاج سرطان الثدي. فمن أصل 20 جهاز ماموغرام كانت متوفرة قبل الحرب، لم يتبق سوى ثلاثة بأداء محدود. كما يتعذر إجراء بعض الفحوص النسيجية الأساسية لتحديد خصائص الورم، مثل فحوص مستقبلات الهرمونات.
ويوضح الدكتور محمد أبو ندى، المدير الطبي لمركز غزة للسرطان، أن حوالي 40% من مرضى السرطان يحتاجون إلى العلاج الإشعاعي، وهو غير متاح في غزة. هذا النقص يؤثر على القرارات الجراحية، حيث قد يضطر الأطباء في بعض الحالات إلى استئصال الثدي بالكامل بدلاً من إزالة الورم فقط، خشية عدم استكمال العلاج الإشعاعي بعد العملية. أما العلاج الكيميائي، فيواجه نقصًا حادًا في الأدوية، مما يدفع الأطباء للبحث عن بدائل، بما في ذلك استخدام أدوية منتهية الصلاحية في بعض الحالات بعد الرجوع للجهات المختصة، مما يضع المرضى أمام خيارات صعبة.
ويقدر أبو ندى أن نقص الأدوية ارتفع من حوالي 50% قبل الحرب إلى ما بين 70% و80% حاليًا، ويشمل ذلك الأدوية الكيميائية والمسكنات والأدوية المناعية. كما أثرت الحرب على الكوادر المتخصصة، مع استشهاد أطباء ومغادرة آخرين أو اعتقال بعضهم، مما انعكس سلبًا على خدمات تشخيص وعلاج الأورام.
قبل الحرب، كانت غزة تسجل حوالي 360 حالة جديدة من سرطان الثدي سنويًا، بينما تراجعت الأرقام إلى 250 حالة في عام 2024 و260 في عام 2025. ويعزو أبو ندى هذا التراجع إلى صعوبة وصول العديد من النساء إلى الخدمات الصحية، بالإضافة إلى تضرر أنظمة تسجيل المرضى ومتابعتهم.
المريضات اللواتي يتمكنّ من الوصول إلى مراكز العلاج يواجهن رحلة أخرى من الانتظار ونقص الإمكانات. فقد انتقلت خدمات علاج الأورام المتخصصة من المستشفى التركي الكبير إلى مبنى مؤقت صغير داخل مجمع الشفاء الطبي. السيدة زينب عنبر، التي كانت تتلقى جرعات العلاج الكيميائي هناك، جاءت من مخيم الشاطئ في الصباح الباكر لتلقي علاجها. بعد عملية استئصال الثدي، واجهت زينب صدمة عدم توفر الدواء اللازم لاستكمال جرعات العلاج الكيميائي الأحمر.
في المقابل، ترفض السيدة سوزان النحال تلقي علاج السرطان داخل غزة، وتتمسك بالحصول على تحويل طبي للسفر إلى الخارج، رغم تطور المرض وانتقاله من الثدي إلى الرئتين. تنتظر سوزان تحويلها الطبي منذ حوالي عامين، بينما يتفاقم مرضها وتزداد معاناتها. تعيش سوزان في خيمتها بمخيم “بسمة أمل” المخصص لمرضى السرطان، الذي يضم 65 عائلة، كل منها لديها مصاب واحد على الأقل بالسرطان. تعزو سوزان مرضها إلى انتكاسة حالتها النفسية بعد فقدانها كل ممتلكاتها من شقق سكنية في رفح وبيت حانون.
تستمر مريضات سرطان الثدي في غزة في مكابدة المرض تحت وطأة آثار الحرب، بين صعوبة التشخيص، والخيارات الجراحية القاسية، والجرعات المفقودة، والتحويلات المنتظرة، والزمن الذي لا يرحم مقابل مرض يتفشى وانتظار إذن بالسفر.
المصدر: الجزيرة نت

