جراح بريطاني بارز يكشف في شهادة صادمة عن تداعيات الحرب على غزة، واصفاً استهداف المستشفيات والمدنيين بأنه جزء من نية إبادة جماعية. يسلط الضوء على طبيعة الجروح المروعة، استهداف الكوادر الطبية، وفشل آليات الحماية الدولية. ينتقد ماينارد موقف الحكومات الغربية ووسائل الإعلام، ويؤكد على تقديم أدلة للمحكمة الجنائية الدولية، مشيداً بصمود أهالي غزة كأروع صور الإنسانية.
سماء الوطن: استضاف برنامج “المقابلة” مع الزميل علي الظفيري، البروفيسور نيك ماينارد، الجراح البريطاني ومستشار جراحة الجهاز الهضمي والأورام في مستشفيات جامعة أكسفورد، حيث قدم شهادة عينية مؤثرة حول تداعيات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة. وصف ماينارد ما شاهده بأنه تفكيك ممنهج للمنظومة الصحية ضمن نية الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، مؤكداً أن غزة تحولت إلى سجن كبير يعيش سكانه تحت وطأة الغارات الجوية والقصف المستمر حتى قبل أحداث السابع من أكتوبر 2023.
وأوضح ماينارد أن استهداف المستشفيات، مثل مستشفى شهداء الأقصى ومجمع ناصر الطبي، لم يكن مجرد أضرار جانبية، بل خطة لتدمير مقومات الحياة الأساسية. واستذكر حادثة استهداف صاروخي مباشر لوحدة العناية المركزة في مستشفى الأقصى بتاريخ 5 يناير 2024، بينما كان داخل غرفة العمليات.
كما كشف الجراح البريطاني عن فشل آلية “تجنب الاستهداف” الدولية، حيث قُصف المنزل الذي كان يقيم فيه مع زملائه الأطباء البريطانيين بعد مغادرتهم بوقت قصير، مما أدى إلى إصابة الفريق الطبي البديل. وقدم شهادة طبية حول طبيعة الجروح التي عاينها في مجمع ناصر الطبي، مشيراً إلى استقبال 19 فتى مراهقاً في يوم واحد مصابين برصاص في الرأس والرقبة، وفي أيام أخرى تركزت الإصابات في الصدر أو البطن. كما رصد الفريق الطبي قنص أربعة فتيان مراهقين في منطقة الخصيتين مباشرة دون إصابات أخرى.
دفعت هذه الأنماط البروفيسور ماينارد وزملاءه لإعداد ورقة علمية قُدمت إلى المجلة الطبية البريطانية لتوثيق استخدام أسلحة محدثة لإحداث أكبر قدر من التدمير في الأنسجة البشرية ضد تجمعات مدنية، وهي إصابات لا تُسجل عادة إلا في ساحات القتال العسكرية. وتحدث عن حالات وفاة كان يمكن تفاديها، مستعرضاً قصة الطفلة “حبيبة” البالغة من العمر 11 عاماً، التي فارقت الحياة بعد جراحة ناجحة بسبب انعدام المكملات الغذائية والتغذية العلاجية الضرورية نتيجة الحصار. وكشف أيضاً عن مصادرة جنود الاحتلال لعبوات حليب الأطفال التي جلبها أطباء أميركيون متطوعون.
وفي سياق استهداف الكوادر، أشار ماينارد إلى تصفية جراح التجميل أحمد مقادمة واغتيال رئيس قسم العظام البروفيسور عدنان البرش داخل سجون الاحتلال. وأكد أن مرصد العاملين في الرعاية الصحية وثق شهادات لأطباء تعرضوا للاحتجاز والتعذيب، مستعرضاً تقارير عن استخدام الكلاب البوليسية المزودة بكاميرات وأسلحة يتم التحكم بها عن بعد داخل مراكز الاعتقال.
وعبر الجراح البريطاني عن غضبه العميق إزاء موقف حكومة بلاده وحكومات أخرى لدعمها إسرائيل وفشلها في إيقاف الحرب. وانتقد السياسة التحريرية لبعض وسائل الإعلام الغربية، مثل شبكة بي بي سي، واصفاً تغطيتها بـ”التوازن الزائف” الذي يمنح مساحات متساوية للرواية الإسرائيلية حول وجود حركات مسلحة داخل المشافي، وهو ما نفاه قطعا من واقع تجربته وحريته في التنقل داخل مستشفيات الشفاء، والأقصى، وناصر، والأوروبي.
وفيما يتعلق بالضغوط الفكرية والإعلامية في الغرب، فكك ماينارد كيفية توظيف مفهوم “معاداة السامية” كسلاح في وجه النقد المشروع لأفعال الجيش والحكومة في إسرائيل. وأضاف أن هناك خلطاً متعمداً بين التضامن الإنساني مع سكان غزة وتأييد حركة حماس أو معاداة السامية، مما خلق خوفاً وتردداً بين الصحفيين والكتاب.
وأشار البروفيسور نيك ماينارد إلى زيارته المحكمة الجنائية الدولية ثلاث مرات لتقديم الإفادات والأدلة الطبية للمحققين، مؤكداً أن أروقة المحكمة تحوز كمية هائلة من الأدلة والوثائق الموثقة التي تثبت وقوع الانتهاكات، مما يمهد الطريق لمحاسبة المسؤولين.
وفي ختام المقابلة، لخص ماينارد رؤيته في نقطتين: الأولى، رؤيته لأسوأ نماذج السلوك البشري عبر أفعال اتسمت بالشر المطلق. والثانية، معاينته لأروع صور الإنسانية من خلال صمود الكوادر الطبية وأهالي غزة، واصفاً إياهم بالأبطال الحقيقيين ومصدر إلهام له، ومؤكداً أن فرصة تقديم العون لهم كانت الامتياز الأعظم في حياته.

